السبت، سبتمبر 29، 2012

في حمى الاستقطاب تصبح الكتابة مواقف عدائية


محمود ياسين

البارحة أرسل لي على بريدي شخص يضع شعار الحوثيين "الموت لأمريكا الموت لإسرائيل"، بدلا من صورته في "فيسبوك"، المهم أنه سب وشتم وتوعد، دون أن يغفل بالطبع فكرة كيف أنني خيبت أمله وهو الذي كان يدافع عني.

لم تعد الكتابة إلا بين من يقرؤون لك تمثل رؤية لا علاقة لها بالضغائن وما شابه، أما الأحزاب فنادرا ما تجد من أحد قياداتها ردا ذكيا على ما تكتبه، إذ يأخذ الأمر شكل الخصومة، وربما الطمع في ما يمكنهم تقديمه لك لتسكت.

شراء صمت الكاتب هذه عادة متداولة بين أنظمة اليمن المتلاحقة، وبودك لو تصرخ: لست شيخا مغبونا، وليس الزمن هذا قابلا لاستخدام الأدوات التاريخية في علاقة السياسي بالمثقف. ورغم همجية رسالة صديقنا الحوثي، إلا أنه تصرف بنزاهة خليقة بجاهل متحمس.

كان الرئيس السابق حدد ثمنا لكل مثقف، وإتاوة لقاطع الطريق، وأصبح علينا بالتالي احتمال كتابات المثقفين المطروحة للبيع الى جوار متملقي المشترك باعتباره القوة الجديدة.

كتب محمد العلائي سلسلة مقالات حاول فيها الإشارة للأخ التجمع اليمني للإصلاح، لبعض من فخاخ الزمن الجديد وأخطاء ناشئة عن فقدان الإصلاح الوعي بذاته في هذه اللحظة التاريخيه، وكنت أعتقد فور قراءة أحد المقالات أن اجتماعا على أعلى مستوى سيعقد في الأمانة العامة لمناقشة أفكار العلائي بالغة الأهمية. غير أن لا أحد يكترث للأفكار في هذه الحالة اللاهثة، ناهيك عن ضيق أفق السياسي اليمني أيا يكن انتماؤه. هو يستميل شيخا ويستأجر مقرا ويغادر الرئاسة بجملة أوامر رئاسية، ولا يتردد في ذهنه شيء من صدى التفكير.

ربما يكون السبب في اللاأيديولوجية، أو في انحسار الفكرة إجمالا من شخصية كل أحزاب اليمن، ولذلك تجد هذه الحيرة في علاقة السياسيين بما نكتب، اللهم إلا في تحديد الجهة التي تخدمها هذه الكتابة واحتمالات انتماء الكاتب لأجندة ما بمعزل عن الأفكار المطروحة وإمكانية وضعها قيد النقاش.

لقد كسبنا غرماء كثراً لا ندري كيف نخبرهم أن الأفكار والكتابة هي ما نجيده، ونظنه مهمتنا كعملية لفت انتباه لكل قوه قادرة على تحديد خيارات البلد، وليس لأجل الحب والكراهية.

ولعل واحداً من الأشياء الغريبة في سلوكيات السياسيين هو تيقظهم النسبي للأفكار المطروحة في المقالات والمواقع الاجتماعية عندما يكونون خارج مركز اتخاذ القرار، وكأنهم فقط يبحثون عن إدانات للأقوى الذي في السلطة؛ المؤتمريون مثلا، أصبحوا الآن مهتمين بأفكار الكتاب، ويتصلون ويناقشون، ناهيك عن حالة الرصد المستمرة لجدل "فيسبوك"، بينما لا يزال بعض قادة المشترك يتابعون الشأن اليمني من راديو لندن، أو هكذا يفترض بالمزحة أن تكون.

ذلك أن الحزب في السلطة يحتاج للغوغائيين وليس للأفكار، ولذلك تلاحظ تزايد عدد المتمصلحين مؤخرا حول حزب ستفرغه السلطة من الإصلاحيين.

لقد مضى زمن الموقف الثقافي المتعالي من تدين الإسلاميين، واعتبارهم حائلا أخلاقيا بين المثقف ولذة الجسد والفن والتجريب، وأصبح أمر السخرية من الدين نكاية بالإصلاح مبعث ازدراء وأشبه بموضة قديمة لا تخلو من تهافت وسذاجة، غير أن مواقف المثقفين لها علاقة الآن بمراقبة أداء الإصلاح باعتباره الفاعل الأول الآن في خيارات البلد.

وهكذا هو حال بعضنا مع الحوثيين، وكيف نقنعهم أن لا علاقة لما نكتبه بالحب والكراهية، بقدر ما هو إبداء موقف أخلاقي تجاه ممارساتهم الخاطئة ومنهجهم العنيف في الإفصاح عن قوتهم؛ كراهية إسرائيل وأمريكا من حقهم، غير أن دمغ جدران صنعاء بهذا الشعار، وإقلاق مجال رؤيتنا بكل هذا الرنج، ليس من حقهم.

هؤلاء الفرقاء الذين يحاولون اقتسام المثقفين ضمن حاجتهم للولاءات الإضافية وليس للأفكار، سيتوحدون آخر الأمر، ويبقى المثقف وحده.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق