‏إظهار الرسائل ذات التسميات خيوط. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خيوط. إظهار كافة الرسائل

الأحد، يوليو 11، 2021

الصمت استسلام للخرائب


محمود ياسين

نتذكر بالكتابة ما يسعنا نحن الماضون لغياهب أواسط الأربعينات.
يخبرني صديقي البارحة أنه اكتهل دون أن يدري، وأخبره أن الكتابة حيلتنا الأخيرة للإفلات من الزمن، أكتب فتتوقف الطواحين في رأسي، وتنزوي تلك الضغائن الصغيرة بخجل، إننا بالكتابة في حالة مران على التعافي، وإيجاد ضمانات للانهيار الآمن.

نتقوض لنكتب حالة إعادة بناء لا يكف عن كونه أقل كمالًا، ذلك أن الصمت هو استسلام للخرائب، والكتابة رقص على تلك الخرائب. 

لو لم أكتب لبقيت مضطغنًا على مدرس الرياضيات في ثالث ثانوي للأبد، لو لم أكتب لقتلت شخصًا ما في هذا العالم، لو لم أكتب لانبعثت مني رائحة عطن الحياة، لو لم أكتب لما حظيت بذلك الإعفاء من شفرة الحلاقة ومن العطر الفرنسي ماركة، ومن المهاترات والترّهات، ومن ضروب الأداءات المرهقة ليتقبل أحدنا نفسه. 

يا للكتابة، يالها من حيلة سجين مشاغب في هذا الوجود المضجر، يالها من ارتجال نبي يومي على مقاسك وفي طريق الكراهية وعلى ضفاف الرؤى وفي قاع الهاوية، بالكتابة فحسب تهزأ من الهاوية ومن ضروب ضعفك ومن كل الذي يعتقد أنه ينقصك وأنك بدونه لا أحد. 

استنتج كثير من الشبان في صنعاء معادلة وجودية لائقة وقد حصلوا على شفرة ترويض الكلمات.

كنا بلا ملامح ومجردين من أدوات ومزايا المنافسة على موارد النفوذ في صنعاء، لسنا أبناء مشايخ ولا ورثة ثروة ولا نحن عسكريون أو قادة أحزاب، وبالكتابة أصبح كل منا كل هؤلاء، مضافًا إليهم حسّ الكبار المتجولين في ذاكرة العالم من روائيين وتنويريين بذاك القرب من الذات. 

  وبقينا هنا في صنعاء، والذين اجتذبتهم المنافي لم تسقط عنهم صفة الكُتّاب، لكنهم قد حرموا في السنوات الأخيرة من الكتابة بوصفها التكريم والمقابل الوحيد للناشبين مخالبهم في التراب.   إنها تمنحنا التعريف الملائم لما نحن عليه، وتقدح لنا نغمة مركزية لإيقاع صنعاء الأخير. 

بالكتابة فحسب أنت متعذر على الالتقاط والاستحواذ، وبالكلمات تهمس تميمة الإفلات من كل لعنة، ومفتاح الفردوس الشخصي وأنت تبتكره وتتذوقه من إعادة ترتيب جحيمك الذهني ومن تراتبية عواطف الحب والكراهية. 

الكلمات فحسب، تذكرة اليانصيب اليومي الكبير، إنك تربح كل يوم وتبددها كل مساء، وتقامر وتجرب وتحصل على "رمية النرد التي تصيب في كل مرة".

أصدقاء توقفوا عن الكتابة مقابل مزايا الصمت أو نجاحات مادية من نوع ما أو بسبب خسائر غير قابلة للاحتمال، وأسأل: كيف يحتملون هذا الوجود المفرغ من غواية الكلمات؟ أي شيء قد يمنح الرضى بخلاف الكتابة الأكثر شفاء وضراوة من الجنس ومن غلمة المنصب ومن العطلات والرحلات ومن عطور وصابون الاستجمام.

ثم ما الذي قد يكون أشد ثقلًا وغير قابل للاحتمال مثل الوجود دون مونولوج داخلي، وذلك التحفّز لانتزاع البرق بالكلمات وتحويله بيدك لسوط يدفع الحياة للتحلّي ببعض التهذيب. 

لا ينشد الكاتب ألوهية مرتجلة، بقدر ما يبحث عن الإنسان الذي يتسرب منه كلما تسربت الكلمات، وكل ما فقدت الكتابة هيبتها وسحريتها في حساباته. 

مدراء التسويق ليسو أقل من غواية الكاتب ومزاياه الواقعية، ومن منهما أكثر حظًا وجدارة بالاحترام، لا لا؛ كل ما هنالك أن الكتابة ذاتها هي ما تحول بينك وبين أن تتحول لمادة قابلة للتسويق.


أن يظل لدينا موقعٌ كهذا الذي لم يرقني اسمه كثيرًا


محمود ياسين

أن يظل لدينا موقعٌ كهذا الذي لم يرقني اسمه كثيرًا، لكنه عمليًّا قد تواجد كما ينبغي، وحيث تجد رفقتك من الكتاب في موقع إلكتروني معني بالمعرفة والثقافة ومقاربات التفكير الحر، ومن عاصمة ما من صحيفة تصدر فيها بعد.

للحرب مرافعتها التقليدية الصارمة واليقينية بشأن الحريات. يبقى كل شيء مؤجّلًا إلى ما بعد الحرب، غير أن "خيوط" هذا، هو شكل من مرافعة ذهنية ضد الحرب. وكونه يدار من صنعاء، فهذا باعث على التفاؤل الحذر، وإمكانية التملص والمغافلة بمساحة حرية مسروقة من زمن الحرب والصوت الواحد.

لا أدري كيف أخبرهم أن "خيوط" وحده لا يكفي، وأن الصحافة ليست فحسب، مجرد حريات تتهدد تماسك الجبهة الداخلية، وأنه حتى أثناء الحرب يجدر بالسلطات التخلي عن هذه الفوبيا، وعن استراتيجية الصوت الواحد.

تتملّى واجهة كشك كان يعرض كل الصحف التي كتبت فيها، وتشعر أنك كنت هنا تتنقل بين الأدراج، وأنت عمود صحفي في أخيرة صحيفة، ولقد جربنا أيامها أنماط الحريات وكنا جيدين، ووقعنا في جملة أخطاء ولم نتوخَّ الحذر بشأن سلامة الدولة، لكن مؤخرًا تتملى مطبوعات الصوت الواحد، صحف ومجلات تتداولونها أنتم وحدكم وهي قد صدرت عنكم، فما الذي قد يترتب على هذا؟ أي معركة إعلامية هذه ومع من ولأجل ماذا؟

حسنًا، الفضاء الآن مكتظ بالمثاقفة الإلكترونية، ولقد منح الإنترنت ملاذًا من قمع السلطات، وفرصة للحمقى أيضًا.

يأخذ هذا الموقع شكل لقاء بين أصدقاء الثانوية، "خيوط" الذي أسّسه ويديره مجموعة الرفقة القديمة من أيام الصحف الورقية، وهذا يجعل التواجد هنا أشبه بإنعاش الذاكرة، والتأكد من أننا لا نزال نملك صنعاء. يحيل هذا الاستدعاء الحميم والكتابة عن الرفقة وحفلة الأصدقاء القدامى، على مقاربة فكرة ملحة الآن، وهي انتقال الصحافة والنشر من صفحات الورق الأملس ورائحته، إلى الفضاء الإلكتروني، وكأنك تكتب على الماء أو تتحدث لاحتمالات لا منتهية؛ تقول ما لديك وتمضي، دون أن تمتلك تلك الحالة من التواصل المسبق بقراء محددين تعرف مزاجهم وتطلباتهم، وتحاول أو لا تحاول تلبية التوقعات. أظنني هنا كمن انتقل لبيت جديد أثّثه رفاق قدامى. ليس آمنًا تمامًا، لكنه يمنح جهة نطل منها، ليس على من نعرف مسبقًا، لكنه فرصة لتبادل المعرفة عبر الشبكة، في زمن يكاد فيه الجهل أن يكون إلكترونيًّا هو الآخر.