‏إظهار الرسائل ذات التسميات صحيفة النداء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صحيفة النداء. إظهار كافة الرسائل

الأحد، يونيو 13، 2010

عن محمد المقالح


عندما قال لي الرئيس على باب خيمته: اكتبوا اللي براسكم. لا تخافوا أمن سياسي ولا أمن قومي ولا أمن مدري ما هو.. بدا إلى الآن أنه استخدم الجهاز الثالث (أمن مدري ما هو) في التنكيل بمحمد المقالح.
محمد الرجل الطيب الذي يقوم بكل شيء على أنه التزام أخلاقي وجداني تجاه الناس المتضررين، وليس التزاماً تجاه الحوثي.
على باب خيمته أعطانا الرئيس جميعاً التزامه الأخلاقي تجاه الحريات. ويومها احترمت الرجل وغادرت دار الرئاسة وأنا ملتزم كلية بإنصافه على حساب سوء فهم كنت أعرف أنني سأدفع ثمنه.
أشعر من خلال قصة محمد المقالح بالاشمئزاز من حياة في بلد موصوم بالخيانة المجانية -خيانة الكلمة وخيانة الالتزام وخيانة رجل طيب.. رجل صادق بوسعه الحديث عن مناقب الرئيس أثناء اعتزامه الانحياز للضحايا المدنيين جراء عمليات الجيش في صعدة.. هو لا يتعارض مع نفسه.. يشعر أن هذا خاطئ وغير رحيم، ويتصرف على هذا الأساس فعاقبوه على طريقة أسوأ أجهزة قمع أمريكا اللاتينية وتاريخها اللعين في ترويع معارضي الأنظمة الرسمية.
في أمريكا اللاتينية كانوا يضعون المنشق على باب الهليوكبتر وهو معصوب العينيين، وفي ظنه أن الطائرة تحلق على ارتفاع شاهق، يدفعونه من باب الطائرة الجاثمة على الأرض أصلاً، ويحصلون على الترويع اللازم لرجل يختبر الموت. شنقوا محمد أكثر من مرة، وسخروا من خوفه، وكانوا يوقظونه من النوم بطلقات الكلاشنكوف، وكانوا في قرية قريبة من صنعاء ينفردون بمحمد أثناء انهماك الجميع في التساؤلات عن اسم الجهاز الذي يقف وراء عملية الغياب.
مأساة محمد ليست في كونه طيب القلب بقدر ما هي في تورطنا جميعاً في السير مع مجموعة الأشرار المسلحين في عتمة شتاء اليمن الطويل.. وماذا لدينا غير هذا الاشمئزاز من معرفتنا الأكيدة أنه لو كان محمد من الحوثيين فعلاً لعاملوه باحترام أكثر.
ورائحة استقواء مناطقي تنبعث من أنشطة سلطة وصلت إلى مرحلة هذيان سجان بيده سوط وهو في غمرة شكه وانقساماته.. وفعلاً لقد تعرض محمد المقالح لحالة إفراغ حنق رئيس أعيته الحيلة.
وتدور المقترحات والتفسيرات عن أنه ربما تفوه محمد بكلمة ما في التلفون. حتى لو تفوه محمد بشيء، أهذا هو الغضب الرئاسي ومداه؟ وطاقة الفعل كلها تكثفت في لحظة زمنية بائسة لتختبرنا جميعاً في انتمائنا للبلد والصداقة والشراكة السياسية.
أنا واحد من الذين حاولوا مؤخراً لفت انتباه الزملاء الصحفيين لفضيلة ضبط النفس إزاء انتهاكات السلطات الرسمية، وذلك لأجل ما تبقى من فكرة الدولة والدفاع عن هذا المستوى الهزيل من الانتماء لمكان علينا الدفاع عنه لأننا نعيش فيه.
لا شيء راشد في هذا التكوين الرسمي الأشبه بتفاحة عطنة.. مع من تتفق بشأن صديقك المقالح؟ ومع من تتفق من أجنحة السلطة بشأن الفكرة الحقوقية الإنسانية التي يمثلها المقالح..؟ كلهم منهمكون في الحصول على أي شيء قبل النهاية الوشيكة، وكأن المقربين من الرئيس حصلوا في الأخير على طريقة ينفس فيها الرئيس عن غضبه بمعزل عنهم. هذا لا يليق بمؤسسة الحكم الرسمية وهي تعطي كل يوم انطباعاً ما بأن الأمور كلها آلت إلى فقدان السيطرة.
لا تجد رجل دولة واحداً يتصرف بامتلاء ومسؤولية (باستثناء ياسر العواضي)। نحتاج لمسؤول محترم يقول للرئيس: لا. هذا كاتب صحفي وليس جهازاً للحد من التوتر. هذا إنسان أنت رئيسه وسينتصر عليك آخر الأمر بقوة الأعزل॥ بالفعل أراقب الرئيس في النشرات وهو يتجول حليق الرأس، فأستحضر محمد المقالح الذي قال له الرئيس يوماً: شيبت يا محمد.. وأجفل من الربط بين الفكرتين، وأشعر أن الرئيس بألوان ملابسه مؤخراً، وبطريقة حلاقته يتشفى مما فعله بمحمد.

صحيفة النداء
15 براير 2010 م


السبت، يونيو 12، 2010

محمـــــود ياســـــين ، يكتب عن نبيلة الزبير : " القديسة "


الامتلاء شجناً او لعنات لأجل فتاة وحيدة تعاني كآبة المطر الذي سقط لأجلهم، لأجل شبان بلا مظلات يمرون من الشارع الخلفي.. ذلك ملهم فعلاً وإنساني في لعبة رثاء المصائر. غير انهم ورطونا في ما لا إنساني ولا مؤثر.. نحن وجوديون دادائيون شعراء ملعونون كان بوسعنا بعثرة اللعنات والقبعات ورثاء الذات والآخر، انتزاع ما تبقى من رغبات صمت زجاج النوافذ الوحيدة وهي لا تمل انتظار غريب سيمر. كان بوسعنا قيادة الرغبات الشنيعة والاحقاد العاجزة، في مهرجانات احياء تراث الجسد ورقصات النزعات البدائية، لا احد يشترط امضاء مقالاته وقصائده في قيعان الرثاء اللعينة. لكنه حلم انجاز، دنيا موازية دنيا من البوح والتضامن الانساني تجاه الخذلان. أمتنا مخذولة، أمتنا عانس نصف وجهها محروق وتملك حجاباً يهبها عيون انثى مخبأة لأجل عابر متلفت.. في باب الجامعة كن اكثر من مائة وكانوا اكثر من مائة، هؤلاء بحاجة إلى اولئك وبينهما رصيف الحرام. وكانت مقالاتنا تتجشأ على صفحات كشك الجامعة مواقف وضغائن تدور حول آلهة الحرية..
مرت الفتيات ولم تلفت مقالة عابرة تحت الامطار السوداء.. واشترى الفتى صحيفة واشترت الفتاة «عذاب القبر ونعيمه»...
ينتهي الجسد المهمل إلى كراهية صاحبه، وتجنح الحياة لنبش العذابات وقسوة التدين.. وكيف يمكنني ارتجال فتوى لاقتلاع وثنية رصيف يحول بين الله والجسد؟.. كيف اروي قصة «عندما يمر الجسد من شارع آخر». لم نحظ بميزة التراكمات ولا حتى بالنتائج الكارثية لأشنع موجة كبت عرفها التاريخ الانساني، ولم نكتب، ولم تكور انثى قبضتها لتهشم الزجاج صارخةً: «إنه جسدي!»، قالتها همساً، وبقيت نبيلة الزبير فصلاً في رواية شغلتنا عن قراءتها فحولة صراع الثيران، فأنسلت نبيلة من روايتي وتقدمتنا بلا قفازات...
هي رائعة، روائية ورطوها في نزال أنهته بحنق انثى كاملة الضربات فاخترعوا لها مباراة جمال بمقاييس مبتذلة..
كم أنت رائعة ووحيدة!! وكم أن الحياة في صنعاء فادحة تعج بالابتذال والنوافذ المنسية!! لم نخسر روائية بعد، وإن كسبنا مقاتلة في حرب لم نخترها. نحن شعراء حاقدون وحالمون، مدمنو سجائر وقرارات مفاجئة، متخمون حباً وكراهية وجائعون إلى الانسان.
لطالما أردنا البحث في حياة تتألم فحولولنا إلى تمثيلية هادفة. بحثنا عن شخصياتنا في لحظة وجود هائل وأطراف باردة، كيف أنه على الحياة أن تركز على ساعة صفقنا الابواب!! وخرجنا بحثاً عن حياة بلا أسقف ولا مغالق؛ وددنا لو أن عدسة ما تلتقط حضورنا الهائل على متكأ مقيل، وإيماءاتنا الفاتنة في نشوة لقاء. غير أنهم حشرونا في اطار شخصية ألفها متعهد ملصقات.. كنا سنقرأ اعترافات النوافذ ومغالطات دنيا لا تعطي شيئاً سوى الوحدة وحياة تدور حول الفقدان. عن اقواس قزح صنعاء واللون الذي سال على اللون، عن رثاء الابواب التي ماتت مغاليقها على الصمت، وعن نبيلة وطفولة نبيلة ولعنات نبيلة، واحجارها والعيون والتعب واعقاب السجائر، حيث لا شيء سوى نبيلة.. حيث لا إيزابيل الليندي ولا فتيات السيجار الكوبي وعاملات مطاعم كاليفورنيا والتنورات القصيرة. نبيلة صنعاء وأنفاسها تغبش الزجاج..
غالباً ما ينجز الحمق ابطالاً بيروقراطيين يتجشأون قلوبهم على خنادق الحرمان والمآثر॥ ورطونا في الكراهية وانتظار العواقب.. ورطونا في الجسارة والتخلي عن رغباتنا المرتعشة على عتبات من نحب.. ورطونا في الاقتحام والفعل واللامبالاة إزاء رد الفعل। لايدعك الكريهُ تحتفي باشيائك، الطفل الكامن في عشياتك ورسائل مراهقتك، مخاوفك ونقاط ضعفك، الرغبات والنشوات العابرة، التهكم من تفاهة الاخرين والبكاء لأجلهم، صورتك وانت تتسلم جائزة نوبل، وخطواتك ببنطلون الجينز، نشوة اكتشاف كم أن الحياة تافهة وجديرة بأن تعاش، كائنات عدوانية تخمش وتحدث جلبة.. اخرجتنا من بحثنا عن مؤلف يشبه اسرارنا.. تركنا للريح تصفح الاوراق الاخيرة من الرواية واستللنا سيوفنا تحت نافذة القديسة.
صحيفة النداء
11 مايو 2006 م

حميـــد شحـــرة.. كـــان ابنـــاً لأنـــاس طيبـــين

محمـــــود ياســـــين

لم يكن حميد قصة نجاح مدهشة. كان صديقاً وكنت أبكي في المقبرة وكان الناس يكرمون دموعي ويفكرون في مصاحبة الرجل الوفي الذي كنته.. شكراً يا حميد.. اكرمتني حياً وميتاً. وفي مقيل العزاء كانوا يومئون للرجل المحترم الأصيل وهو يتكئ على نزاهته محتفياً بالإنسان الذي استعاده على حافة قبرك الكريم..
أذكر يا حميد أنني حدثتك عن ديستون هوفمان وهو يخبط رأسه على الدبابة ويصرخ: جون.. ماتت ابنتي ولست قادراً على البكاء. فهتف جون: «أنت تبكي الآن يا ديفيد...». وهكذا عزيت نفسي وأنا أتلوى من فرط عجزي عن بكائك مساء رسالة نعيك من نصر طه مصطفى حتى أنني خلعت الجاكت وارتديته مرات كثيرة بحثاً عن ملاذ اعتبرته خيانة لك.. وهمست أخيراً: أنت تبكي الآن يا محمود.
استعدت خيانة صغيرة وأنه ما كان عليَّ التفوه بتلك الترهات عن تخليك عن شخصية الحالم وكيف أنك لم تعد تكترث لغير النجاح وتلك تهمتك وذنب ابن البائع المتجول الذي ما كان عليه انجاز مؤسسة واستقدام مطبعة -لم أكن نزيهاً ساعتها- وتساءلت أثناء محاولات البكاء: أتراهم أخبروه؟ ليتهم لم يخبروك شيئاً. على أنني قلت اشياء أخرى كانت لائقة بك وما تفوهت بالترهات إلا لأنني اعتقدت خسران صديق أمسى رجل اعمال. وما كنت رجل أعمال كل ما هنالك أنك قمت بأعمال رجل يعيش بكبرياء الجريح الذي لا ينام... ثم إن الثلاجة بنكهة الفولاذ وما كنت لازورك مجازفاً بما تبقى من عمري تحت رحمة صورة صديق ميت وأطرافه باردة... وعلى حافة القبر أدركت أنه ما من حميد بعد وأن الآخرة فكرة رائعة قد أراك فيها مجدداً وأن ابناء الناس الطيبين يرحلون مثخنين بشموخهم الحزين... وأن هذا العالم ظالم ولا انساني، ينتزع ابناء الناس الطيبين من بوابات النجاح مستكثراً فرحة لمحها في عيونهم.. ترحل وتبقى الذكريات يا حميد وذاكرة النهايات المأساوية ورثاء القمم الباردة والرجل الذي منحته ثمن بطانية لا يزال في شتاء صنعاء ربما يمر عليه حميد لم يمت بعد..
كنا ثلاثة ولطالما تعثرت بوجلي فمددت يدك المكسوة بالشعر وافسحت لي بينك وبين جمال وكانت امرأة قد مدت يدها المعروقة ومنحتك اخوة رضيعها مقابل علبة دواء كنت قد سألتك اثناء شرائها: هل تعاني التهاب المفاصل يا حميد...؟ أشياؤك لم تبارح طريق عودتك والمساء كعادته قارس كالموت وهو لم يعد رضيعاً لقد أصبح غلاماً يمد يده إلىجوار يد أمه ولم تكف مفاصلها عن الالتهاب.
نسي الناس عبدالله سعد، كاهن اعترافاتك الأخيرة، وتذكروك جيداً كما يفعل الناس عادة مع المشاريع الطموحة...
بكى سعيد ثابت لأجلك ونشج مثل طفل هائل، واختنق نصر بعبرات صغارك الذين اصبحوا جزءاً من عائلته। أطفالك بخير، غير أن «احمد»، النسخة الأصلية منك، قد تضرر قليلاً وأجريت له عملية ناجحة॥ وقال «مالك» إنه يشكر نقابة الصحفيين ولا أظنه قد أدرك الكارثة. البارحة اتصل علي الجرادي وكان متحمساً للغاية اخبرني أن حميد الأحمر اشترى بيتاً جميلاً لعائلتك وأنهم أسموا ابنك الذي ولد في القاهرة «محمود».
صحيفة النداء 8 نوفمبر 2006 م

الفرسان الثلاثة

محمود ياسين

لا أحد من الأطراف الثلاثة في اليمن يمكنه العمل منفرداً بشأن ثلاث معضلات تهدد فكرة الدولة: الجنوب، صعدة، و«القاعدة».
يرتبط الحزب الاشتراكي بالجنوب أولاً، فهو الذي جلبه إلى دولة الوحدة، وهُزم نيابة عنه في صيف 94
جذر الفكر الجهادي للإخوان المسلمين متماسك مع "القاعدة"، باعتبار الأخير هو ما سقط من محاولات الإخوان التحول والعمل كحزب سياسي. لم يدخل فكر الجهاد في سعي الإصلاح سياسياً، وانتهى الأمر بـ«القاعدة».
والرئيس مرتبط بالتهديدات الثلاثة. وكونه في مستوى ما أكثر تمثيلاً للمنطقة المركزية، منطقة العصبة والدولة، فهو أقرب إلى معضلة صعدة، باعتبار الأخيرة ابنة «مذهب الدولة».
الأمر بسيط، وهو أن طريقة عمل الثلاثة مجتمعين، ومستوى الاقتراب من بعضهم، هو ما خلف صعدة والجنوب و«القاعدة».
هذه تركتهم الأشبه بثأر العائلة عند عائلات أخرى، لا يمكن ترك العاقل يتحملها وحده، رداً على استئثاره بالميراث المالي والعقارات والسلاح.
هل يستطيع الإصلاح تهدئة «القاعدة» وإنجاز تسوية مع متدينين هم في الأصل «إخوان مسلمين» توقفوا عند «اقتلوهم حيث ثقفتموهم»؟ وأن يتطور الإصلاح فهذا ليس ذنباً يجعل من أعلى "القاعدة" مسؤولين إصلاحيين، فهو لن يستطيع فعل شيء حتى ولو من باب الجدل بين متدينين؛ فـ«القاعديون» يرون في «إخوان» المشترك والانتخاب أقرب إلى «متساقطين على طريق الدعوة». هم أيضاً لا يملكون فعل شيء بشأن صعدة، على خلاف الاشتراكي الأقدر على التأثير والتعامل مع جذره، والمشكلة التي تسبب بدرجة ما في حدوثها. أذكر أن الدكتور ياسين سعيد نعمان قد اتصل بي ذات مساء مؤكداً صواب ما ذهبت إليه في مقابلة بصحيفة «الشارع» من أن الاشتراكي ودوره من مشكلة الجنوب يصلح طرفاً للبحث عن حل، وليس طرفاً للتفاوض؛ إذ إن فكرة أن الجنوبيين الآن لن يصغوا للاشتراكي إطلاقاً هي فكرة غير دقيقة. ولست هناك لأثبت العكس، من خلال إيراد مجموعة أشياء أو ما شابه؛ غير أن الذهنية السياسية في الجنوب لا تزال تربط بين مصير غضبها وبين الحزب، أقله برجاء أن ينضم الحزب للحراك، وإذا ما انضم فستقبل تلك الذهنية أن يقود الحزب أمر الحراك.
الأمر هنا أن هذه التهديدات نتاج كل الأطراف الرئيسية الثلاثة معاً أذكر أن بعض الأسماء الكبيرة باركت طريقة «القاعدة» في العمل احتجاجاً على تحالف الإصلاح عقب الوحدة مع «كفار عدن».
والمسألة تبادلية، وإن في مستويات مختلفة، في تركة سياسية ورطونا فيها وجعلونا على الدوام بحاجة إليهم. والحل الآن، ولو نظريا، في أن يعمل الثلاثة معاً لمجابهة تهديدات تصلح لتقويض الدولة ولا يمكن استخدامها في الكيد السياسي لبعضهم.
وعلى كل الذي كتبه الصحفيون عن افتقاد المعارضة لمشروع له علاقة بالتنمية وإصرار المعارضة على أولوية التغيير السياسي، يبدو أنهم محقون تماماً في اختيار المكان الذي يلائم قدراتهم. فشخصية المعارضة ملائمة لشخصية المعضلة اليمنية القائمة أصلاً على حقوق الجغرافيا السكانية وحكاياها التاريخية.
إنهم يتذكرون ارتباطاتهم وقدراتهم التنظيمية وقدرتهم على الفعل عندما يحصلون على وظيفة من هذا النوع.
لديهم جميعاً -بمن فيهم الرئيس- الجاهزية والخبرة والأدوات للفعل فيما يخص حقوق الجغرافيا السكانية والعودة إلى مبدأ المحاصصة. أما البطالة ومؤشرات التنمية والرهان على المعرفة وبناء نمط جديد للتفكير الجديد فهي جملة أمور ذكية ومربكة، وهي تذكرهم جميعاً بكلمة «التطور» مثلاً. أما واقع الجنوب وصعدة و«القاعدة» فهو عمل أكبر ويدركونه على نحو واضح. ثم إن هذا الواقع هو أصلاً وظيفة النخب اليمنية التقليدية المجمعة آخر الأمر على حماية الوطن الأصل كفكرة في حدودها الدنيا. وبالنسبة لهذا الواقع فهو جلي لا يشترط أشياء من قبيل مراكز ودوائر بحث اقتصادي في الأحزاب، ولا يشترط إلا الأدوات التي في متناول الأطراف الثلاثة حين يعملون معاً.
فالوطن والوحدة والأمن والاستقرار، وفكرة «يد الله مع الجماعة»، هي أدوات متوافرة وأقل كلفة. ونحن هنا لسنا بصدد البحث في طريقة هذه الأطراف في الخداع. ما عليه الأمر فعلاً أنهم خلقوا جملة تهديدات لا أحد قادر عليها غيرهم، وأن يكونوا مجتمعين مقابل التخلي الطوعي من اليمنيين عن التنمية السياسية والتخلي عن خلق نخب جديدة رموزها مهندسون ومؤلفو كتب وطلبة في جامعة صنعاء وأناس منكوشو الشعر يفكرون إلى جوار أعقاب السجائر يفكرون بطريقة ذهن يحتفي باندفاعته في مقاربات الاقتصاد وعلاقة وسائل الإنتاج والإشباع المعرف بالحياة في نمط مدني ملائم. لا أدري في أي كتاب ذكر محمد حسنين هيكل دعوة أحد الرؤساء الأمريكيين مراكز البحث ورموزها لصياغة قرار الولايات المتحدة أو المشاركة في صياغة هذا القرار قائلاً: «اجلبوا إليَّ منكوشي الشعر هؤلاء (يقصد الباحثين والمفكرين)» في عملية أطلق عليها هيكل «صلح تاريخي بين السياسة والفكر».
تتكرر دعوة الرئيس للمشايخ والأعيان وأمناء العموم إزاء كل معضلة. مع ذلك جذر المعضلة انثروبولوجي غالباً يتم تأجيله من خلال الارتجال والاعتراف بمبدأ «الحق في الصلح».
لقد منح اليمنيون هذا الحق جماعياً، متواطئين على تفهم غضب الأفراد والجماعات، ليس باعتباره حالة فعل حقوقية مدنية ناشئة عن غياب مبدأ العدالة، بقدر ما هو حق أي أحد في حالة أن استطاع أن يعمل نفسه «سبلة» وفقاً للتعبير العامي.
أظنهم سيحققون تقدماً في آلة التهديدات الثلاثة. ولكونهم يدركون مفاصلها سيجعلونها أقل حدة دون أن يعطلوها تماماً وإلا فقدوا وظيفتهم. نحن (وهذه هي المأساة) بحاجة إلى تفاهمهم مع هذه الآلة، وسيذهب أمناء العموم إلى دار الرئاسة دون أن يفكر أحدهم أن يجلب معه واحدا من منكوشي الشعر.

صحيفة النداء
2 يوليو 2009 م

الرئيس والوحش

محمود ياسين
نعتقد أن الرئيس لم يعد لديه سوى طلقة واحدة في مسدسه، وعليه التصويب جيداً في مقتل وإلا سيلتهمه الوحش। هذا بصدد قلقنا من غضب الجنوب، ومن مآل هذا الغضب تحديداً على أنهم بصدد عملية استقلال طويلة المدى। وأثناء ذلك كله نحلل معركة بين الرئيس والوحش، ونخوض في مزاج الرئيس وطبعه وكيف أنه ربما يستخدم "إبر مقوية" تبقيه يقظاً على الدوام... وندور في المربع ذاته بين رجل شارع الستين القوي وما يبدو وكأنه مشاكله الشخصية، مع أن الوحش يفترض به أن يلتهمنا جميعاً وقد يبقينا آخر الأمر مجرد شماليين يصدرون خمسين ألف برميل نفط يوميا وبدون سعودية نغترب فيها، على أساس أن المملكة حينها ستكون قد عادت إلى كامل عداوتها التاريخية، إذ لا يمكن أن ينفصل الجنوب بدون مباركة المملكة।
ونحن في أول الأمر وآخره نقوم بكل شيء بشرود تام.
إننا ركام ردات فعل كائن بدائي يتألم، وما يحدث بيننا هو جلبة مجاميع تشعر بخطر غير قابل للتأجيل أو هو على الأقل لم يعد قابلاً للتأجيل. فنحن على عجالة أثناء تواصل الانثروبولوجيا وتفسيرات السياسيين ومفهوم التطور.
على مدى عشرين عاماً وأنا أسمع سياسة وتصرفات رجال أقوياء في اليمن، ويحضر على الدوام طرفان فقط: الرئيس، وإحدى مناطق اليمن. منذ المناطق الوسطى والجبهة مجرد منطقة. ورغم إيراد المتدينين لكلمة الخمر أثناء تحريضهم على الشيوعية أيضاً، إلا أن الأمر أنتهى أيامها إلى الجنوب؛ وشعر الناس في ريف إب، القريب من معارك الجبهة، بأنهم في خطر، ليس من الخمر والشيوعية، وإنما من جنوب فيه خمر وشيوعيية، وكأن الأخيرتين من طباع الجنوب، أو هما طبع منطقة مثلما هو "النخيط" من طبع "مطلع". هل قام الناس أيامها بمفاضلة بين الخمر و"النخيط"، أو بين الشيوعيين و"الزيود"؟
أذكر أيامها أن أكثر الرجال ذهاباً وإياباً إلى إب وترديداً لاسم المحافظ واسم مدير الأمن، قد خلص إلى أن "الجنوب لو يبطل الخمر ليكون أفضل". وبعدها بسنين طويلة كان الرجل ذاته قد أصبح تاجراً يترحم على يحيى مصلح محافظ إب الأسبق، وفي كل مقيل يعجب بصدق علي سالم البيض في خطاباته، ويردد: "ما ذلحين، يا يافع غيري على الشوافع". يحضر الجنوب الآن ضمن السياق ذاته.
حتى عند النخب، التي تشبّه حمود صالح في إشادته بالبيض على أنه تعريض حصيف بالرئيس، وأثناء ذلك هي مسألة وقت (ما ذلحين) حتى تقوم يافع بإنقاذ حمود صالح.
وبالعودة إلى النخب، كالأحزاب على وجه التحديد، يحضر الجنوب باعتباره شيئا لا أحد يدري كيف يمكن استخدامه أثناء أحداث جلبة مع الرئيس.
لا يتمنى الذاهلون جميعاً لو بيدهم الخبرة لاستخدام منطقه ضد وفي وجه واقع اجتماعي سياسي، ولكنهم يودون لو يستخدمون الأمر في وجه "ورطة رئيس" لم يعد ذلك اللاعب التوازني المعروف.
الجميع شركاء في هذا التواصل الضاج خارج الحالة، وبما يقود آخر الأمر إلى أنه لم يعد كافياً أن يقوم الرئيس بالتخلص من مراكز قواه. فالجميع يدرك أنه أكثر يقظة من التخلي عن منابع قوته (الذهنية على الأقل)، فهو يشبه معارضيه تماماً وضماناته هم رجاله المخلصون ولا شيء آخر. مثلما هو الحال في ممارسة السياسة على جملة معايير تاريخية يمينية لها علاقة بالرجالة والإخلاص وما شابه.
ولا يعتقد رجل أو كيان سياسي أو كاتب علاقته بالمعارضة لا تزال إلى الآن جيدة، ولا أنا أيضاً فكرت على نحو جدي بمنأى عن قوة طباع أهل المثلث بين عدن والضالع وأبين... وأقول إن أحداً من الأحزاب لم نراكم أدوات ماكينة سياسية تعمل بطريقة صارمة رتيبة، فالماكينات بلا موقف من المناطق، ولا تكن مشاعر ما للرجال الأقوياء. الخبرة غالباً لا تعول على حنكة الرجال ولا على اليوم الذي ستضحك فيه عليهم. إنها تعمل كما هو حال خبرات المجتمعات التي تنتج مؤسسات وحالات عصية على التدخل، وتبقى تلك الحالات ضامنة للحد الأدنى من بنود الاتفاق الأساسي الذي هو ثورة أو وحدة أو وضع لم يعد أحد في العالم يعيش بدونه.
لقد بدأ شباب الجنوب يحملون السلاح. وكتب نايف حسان يحذر من تفاقم شكل التعبير عن رفض وضع خاطئ إلى المرحلة التي ينبغي على الجميع فيها القلق بشأن حياتهم.
ومن ضمن الردود التي حصل عليها نايف أنه كتب الموضوع بوعي شمالي وأكد له البعض أنه لايزال ذكياً، وردود أخرى تدور حول مزايا نايف، وأحدث المقال علاقة جديدة على قدر من الأهمية بين كاتب ومنطقة - وستدور أغلب تساؤلات الناس الآن وفي فترة طويلة عن العلاقة بين الرئيس والجنوب، وستبقى تشغلهم كثيراً.
إنه نوع من تثبيت إحداثيات نمط من التفكير يخط لليمنيين وجهة ذهنهم وكأن هذا التاريخ مستميت تماماً في البقاء على قيد الحياة دون أن يسمح لشيء آخر بالتدخل.
وكنت قد ذكرت أن دول العالم التي تعيش أوضاعاً سوية على الأقل قد قامت مجتمعاتها بإنجاز خبرة الحفاظ على حالات وأوضاع لا يمكن العيش بدونها.
نحن مستعدون للتخلي عن كل الضمانات كما يفعل المتألمون أو مهتبلي الفرص الذين يذكرون مكان الميلاد ولا يعرفون شيئاً عن العالم السياسي غير الرئيس.
وغالباً ما يقترح الشارد نوعا من المقويات والإبر أثناء إبداء دهشته من تماسك رئيس لا بد وأنه "يستخدم تلك المقويات" من يطلب من الآخر الاعتماد على بنى سياسية ثقافية وحالات تم خلقها مؤخراً.
هل على الأحزاب أن تطلب ذلك من الرئيس أو يقوم الرئيس بمناشدة المثقفين والمنضرين إنجاز تلك البنى الثقافية والسياسية، وهل حدث في التاريخ أن قامت الأمم المتحدة مثلاً بتقديم بنى ثقافية وسياسية لشعب متضرر أم أن الأمر سيبقى هكذا مطلب كاتب يريد بنى ثقافية سياسية ممكنةً لايمكنة تحديدها.
إذ لم تعد تعددية فترة ما بين الوحدة وحرب 94. حالة يطلب أحد البقاء عليها ذلك أن تلك الفترة كانت علاقة بين رئيس وجنوب اشتراكي فيه معسكر العند. أما وقد أصبح الأمن بين رئيس وجنوب أعزل وفقاً لمحاذير الرئيس التقليدية التي لا تخشى غير المعسكرات.
إذ أن قوة الاعزل الغاضب يبقى مجالها التأثيري خارج آليات عواطف الرئيس وشعوره بالخطر. وهذه واحدة من رهانات بعض خصومه الذين يكنون لأداءات الخلايا وإعلام الاحتجاج تقديراً عالياً له علاقة بالخبرة الحزبية، ولا شأن له بقدراتهم السياسية.
ومجدداً لم نراكم ثقافة سياسية من نوع ما، ولم يتمكن حتى ألد أعداء الرئيس من خلق بذرة حالة استقرارية تبقى بمعزل عن تأثير الرئيس ووضعه النفسي. ربما سيتمكن الناس في تلك الحالة من إخراج اللصوص من أراضيهم المنهوبة دون الحاجة لوحش.
صحيفة النداء
30 أبريل 2009

يحتاج الفلسطينيون لمحيط من البشر

محمود ياسين

تبقى لدينا مجموعة شتائم। وأنا أكتب عن غزة فكرت في محمد حسنين هيكل وتحليلاته العميقة بمنأى عن موقفه العاطفي من إسرائيل। هو لم يقل يوماً: «هؤلاء القتلة»॥ وما شابه। وتحول الوضع في المنطقة إلى حالة ملل واستعلاء عند المثقفين تجاه شتائم خطباء الجوامع عن احفاد القردة والخنازير واستعلاء على التقارير الاخبارية العربية عن حالة الهوان والتردي العربي.

أنا بحاجة لموقف إنساني يتجاوز مجموعة العقد التي ورطنا فيها الوجود الاسرائيلي وإحالتنا إلى مجموعات مرتابة بالقومية والشارع العربي وتخوين الرؤساء. ولم يعد لائقاً التقليل من شأن حماسة رجل في المظاهرة يصرخ: افتحوا باب الجهاد.
لقد تخطى الألم الفلسطيني في هذه المنطقة مسألة العذابات الإنسانية إلى البحث القسري عن شهامة عربية وتضامن عقائدي، وتورط الفلسطينيون في نتائج اختبارات تلك الشهامة ودفعوا أكثر من غيرهم ثمن إخفاقات المشروع القومي.. لقد تورطوا في انتظار واجب الاخ الذي يعاني مشاكل نفسية .. إذ لا أسوأ من انتظار نجدة أخ عاطفي للغاية، متشنج يشعر بالذنب، تتلاشى قوة الفعل لديه في احتدامات عدم القدرة على الفعل.
كان يجدر بفلسطين أن تقع في خارطة محاطة ببشر، وليس بأشقاء وضمن جغرافيا سكانية غير معقدة إطلاقاً. ومع أنه ليس عسيراً على بشر العالم الذين لا يتاخمون فلسطين أن يسمعوا عذابات أهل غزة الآن، غير أنه غريب كون العالم لا يتفاعل وغريب أمر هذه المؤامرة التي علمتنا كيف نرضخ لفكرة العصابة السوداء التي وضعتها اسرائيل على عيون العالم.
قبل يومين استخدمت ردة الفعل المتداولة، ربما بتخصص أكثر من قبل: هؤلاء ليسوا بشراً، ناهيك عن مفردات حثالة وإسرائيليين غير اسوياء. لكن الأمر بقي هنا في حالة كراهية لا تجد طريقة للتعبير عن نفسها.
يعود الامر أخيراً للرهان على أن المظاهرات هذه على قدر من الجدوى والفاعلية، على افتراض أن مشروعاً اسرائيلياً جدياً للاندماج في المنطقة يمكن تهديده بالمظاهرات، وأن وجود اسرائيل آخر الأمر ليس مرهوناً بالقبول العربي الكامل بقدر ما هو في شرط الوجود الادنى في محيط بكراهية أقل.. وهذا قائم بالنسبة لي، واجزم أن اظهار الكراهية على هذا النحو في المظاهرات يجعل من فكرة الحياة الاسرائيلية ضرباً من الرهان على البراعة في العيش في حقل ألغام.. في اسرائيل من يكترث لمران الجسد العربي على رفض وجودهم كلياً.
لكن لا أحد في غزة يكترث لهذه الامور الاستراتيجية، وتلك الأم التي ظهرت في التلفزيون عاجزة حتى عن لعب دور الأم الفلسطينية المتعارف على صوتها.. لا تحتاج الآن لتهديد الوجود الاسرائيلي طويل المدى.
لا تحتاج حتى لأن يفتح المصريون معبر رفح أو تطرد قطر موظفي المكتب التجاري الاسرائيلي في الدوحة.
لا شيء يجعل من آلامها أقل. ولم يخطر ببالها حذاء منتظر الزيدي ولا كون مشروع المقاومة الذي تديره حماس قد أفقد اسرائيل اعصابها.. تحتاج الجموع الانسانية التي تختبر فظائع الحياة في غزة عالماً أقل تعقيداً وضمانات تشتغل على ما هو بسيط أكثر وأساسياً أكثر.
وبالنسبة لامرأة تجاوزت الستين بقيت تتوسل الاقدار وتتحاشى فقدان أحد الأبناء، وتشكر الحياة في سرها على هذا الاستثناء، ثم وفجأة تفقدهم جميعاً في الاحداث الاخيرة بغزة.. لا يعود لائقاً بها تلك الصورة المهيبة عن أم الشهيد أو أم الشهداء.
تباغت الحياة فلسطيني الأيام الأخيرة بكوارث فقد رومانسيتها أو بعضاً من تلك الرومانسية واكتساب معنى ما، مقابل حياة تتألم.
والفكرة المتداولة عن خصوبة الفلسطينيين هي على درجة من الشناعة.. نحن نورطهم ونبتز حقهم في الخوف من فقدان صغارهم، وكأن آخر فضيلة للفلسطيني هي في قدرته على الاستمرار في إنجاب عذاباته... ومع أنني لم اسمع مؤخراً فلسطينياً يتباهى بقدرته على احتمال الكوارث وتحدي آلة الموت الاسرائيلية بأعداد جديدة من مشروع الضحايا- الفلسطينيين العاديين على -الأقل إلا أن استعراض القدرة على الموت بقي شأناً رسمياً تردده قيادات حماس مؤخراً.
ذلك أن الفلسطينيين يريدون الحياة فحسب وبلا أمجاد أو مآثر من نوع ما، وعندما اختاروا حماس لم يكونوا يختارون القتال حتى آخر رجل بقدر ما هو وضع الثقة فيمن يمكنه تخويف العدو أكثر، وبالتالي يمنحهم شيئاً من الأمان بالمقابل. حاول الفلسطينيون أشياء كثيرة منذ الفداء واختطاف الطائرات وفتيات الغترة والحزام الناسف والموت الرومانسي والمنفى ومحمود درويش. وتوقف الفلسطينيون مؤخراً مع ذهول تلك الأم عن رواية موتهم بتلك الطريقة.
عندما قال رابين في إحدى جنائز قتلى اسرائيل في الجنوب اللبناني: «ننظر إلى عيون أمهات القتلى ونطرق خجلين، ونهمس لهن: سنبقى نعود من الجبهة ونطرق أمامكن بتقدير أبدي»، علق مريد البرغوثي على كلمات رابين قائلاً: «إنه يسرق منا حتى حكايتنا لموتنا».

صحيفة النداء
4 يناير 2009

نوع من تحد مريض بين القبيلي والسيد

ألأجل هذا الأحمق يُسقط شباب صعدة في الطريق إلى الجنة؟!
ومن يراهن على وعود رجل يتفوه بالترهات.. ويحاول فقط مقارعة علي عبدالله صالح مقلداً حركة يده في كتابة الأوامر.
ولم يغفل يحيى الحوثي في ذلك اللقاء الشهير التأكيد عن كونه ابن الهادي ابن ابراهيم ابن... إلخ، إلخ. وأن إخوته وأولاد اخوته يقودون معارك الكرامة ضد جحافل علي صالح.
لا قضية، ولا ثقافة ولا لغة.. ولا احترام لمن صدَّق أو تورط. كان يتباهى كأيِّ منفّر عالمي ينحدر من أصول عريقة. وبالمقابل تورط النظام الرسمي في مستنقع صعدة مكتشفاً أن المستنقعات لا تخلو من مزايا المناجم.. بقيادة عسكر ينحدرون أيضاً من أصول عريقة.
نوع من تحد مريض بين القبيلي والسيد. يسقط فيه ابن الأرملة متسائلاً: من أين جاءت الرصاصة؟
وعندما لا يلتفت فذلك لأن في أعماقه صدى يردد: من الجهتين..
وقعتم بين قاتلين يتسابقان على من يسحب أولاً..
بين وجيهين من علية القوم من حقبة «صراع السفهان».
لم يتذكركم الحوثي وهو يبارك بطولات عائلته، ويدفع بكم إلى خنادق ضحيان من مقر إقامته على ضفة الراين.
هذه الطريق لا تقود إلي الجنة حتماً، هي تقودكم إلى أسفل الجبل حيث تجابهون رفاقكم المخدوعين كما أنتم، وهم يعتقدون المشاركة في عملية «نسيج العنكبوت». ما من عنكبوت يا رجال، هذه في مغامرات «الشياطين الثلاثة عشر» أما أنتم فملائكة ذوو وجوه مشققة.. ولا شيء مجيد في الموت.
أرسلتم غلماناً مؤمنين إلى الموت بذات القدر الذي أرسلوه منكم، ولم تتبادلو الجثث فبقيت أرواحها تتألم باحثة عن ملاذ من عفن الخندق ولا جدوى النهايات.
تلك الارواح التي تنتظركم في الجانب الآخر هامسة في العتمة: مرحباً يا أخي.
في العالم الآخر حيث يكتشف الإنسان متأخراً أنه ما كان عليه التخلي عن حياته بتلك السذاجة. وأنه كان بوسعه ان يرفض ترميل زوجته لأجل حفنة من الترهات.
وأنه لا أفدح من إزهاق روح إنسان أياً تكن الدوافع، وأن الشرف ليس سقوطاً مدوياً في الميدان ولا قماشة توضع على الكتف بقدر ما هو دفاع عن الحياة ابتداءً وعن من لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم.
محمود ياسين
صحيفة النداء
أبريل 2007

محمود ياسين يكتب عن دعوة عشاء خالد سلمان في لندن

شاربه ضخم ولا يبدو أنه ينوي التهدئة.. خالد سلمان يمضغ القات وحيداً ويمضي ليل الخميس في «الثوري» يصدر بيانات.. قد يفكر الحزب جدياً في إطلاق اسمه على قاعة ما، لكنه لا يريد محارباً في الوقت الحالي..
اكثر من عشر قضايا أمام المحكمة، وخالد يفتقر إلى المرونة على ما يبدو. ثم أن الشائعات غير مطمئنة على الاطلاق (أظنه سمع شيئاً عن طقوس تكريم الأعداء قبل التخلص منهم.. أوجس خالد وكان مستاءً تحت الضغط، فطلب اللجوء بغير نوايا تخص إحراج الرئيس أمام المانحين).
خالد شخص متوحد وهو كائن وجودي يتخذ قرارات مصيرية بغير تخطيط.. (أظن بريطانيا ستروقه كثيراً ثم أن راتب اللجوء ليس مشجعاً في مدينة كلندن).. أظنه كان يمثل استثناءً ما في طريقة حياته وفي طريقة تفكير الحزب ضمن مجموعة استثنائية لم يكن الحزب ليجازف بإغضابهم بإقالة خالد..
حالة حصار وجدت منفذاً في دعوة ضمن وفد إعلامي.. لم يكن طريق فرار قدمه الغرماء بقدر ما هو مقترح ربما ذكره بلندن.. لقد وصلنا إلى مرحلة اللجوء.. خطوة خطوة.. والطائرات تغادر صوب لندن. سيلجأ آخرون بغير ما حاجة لإستغلال دعوة كريمة أو إحراج رئيس بصدد «حققنا تقدماً في...». مليارات المانحين -هذه المرة على الأقل- لن تخصم ثمن خالد سلمان من القيمة الإجمالية لمشروع إعادة التأهيل...
وأياً يكن فلم يعد بوسع السلطة احتمال متاعب حريات صحفية بهذه الكلفة، وقد يلجأون لتعويض المانحين بعمليات إضافية ضد الإرهاب وأشياء من قبيل مكافحة الفساد.. الخ.
«عادوا بنقود كثيرة وبما اعتبروه فضيحة تسبب فيها رجل رشح خالد»، مستشار الرئيس في تصريح مقتضب ألقى باللائمة على قيادي إعلامي لم يفصح عن اسمه.
وتسرب خبرٌ عن اجتماع طارئ في المكتب الرئاسي لتحديد المسؤول والحديث عن التداعيات.. أظنه اجتماعاً محرجاً لم يلتفت لأفكار غير تقليدية من قبيل البرد الذي تسرب إلى صدر خالد.. قال إن في داخله من البرد ما يكفي للاعتذار عن التنزه في برد لندن.
لم يكن قد لجأ بعد.. كان لا يزال معارضاً في وفد رسمي.. يجري بروفات اللجوء في التسلل من فندق الوفد إلى مطعم مجاور يتناول فيه العشاء وحيداً...
عشاء المنفى بارد॥ لكن.. يمكن.. تناوله بصدر دافئ.. بعض الشيء..

صحيفة النداء
23 نوفمبر 2006 م

محمود ياسين يكتب عن حوالات الرئيس..الخيانة مسألة وقت!

يقال أن الرئيس لا يعدم حيلة حتى يدمغ رجلاً بحوالة.. لا يستريح وأحدهم ممتلئ لا يريد شيئاً.. يسعى لكسره بلا هوادة.
غريب هذا الأمر. وإن كان، فما أقل الرجال المحترمين.. ذلك أن قليلين تمكنوا من البقاء بعيداً.
يدفعهم لإدمان الحوالات والمذلات، ولا يعود بوسعهم التخلي عن بذخهم الطارئ، وبالتالي العيش على بيع الولاء والصراخ..
أناس يحدثون جلبة بمصوغات ثقافية واقعية عن الحياة وعن النفسية اليمنية وطبائع الأمور، وإنها مسألة وقت.. مراهنين على خطأ أدمنوه حتى المهانة..
لا يقود الرئيس مؤامرة لإفساد نفوس رجال اليمن، لكنه يحيل على الضرورات والتجارب التي قادته إلى... هكذا هي اليمن.
وحده المال يصنع رجالاً مفيدين.. في هذه الأثناء أصبح الأمر منظومة قيم لاشأن لها بالأخلاق -لكنها قيم- وهي تخص زمن رجل كسب رجالاً كثيرين.. قيمة نشأت على عاتق الظروف اللعينة وجعلت من الشرف مسألة وقت..
لا أدري -وفقاً لهذا- من المحترم.. الصحفي الذي يقترض أم الفاسد الذي يقرضه؟
وينتهي الأمر بالضغائن.. ولماذا يختبر الرئيس احترامنا لذواتنا كل يوم؟! تسمع عن الذين دخلوا والذين حصلوا، وتشعر بالاستياء، ولا تدري: أهو من الذين حصلوا أم من الذي منحهم أم من نفسك التي تتهمها بالاستياء لأجل حفنة من الريالات.
منذ زمن بعيد والرجل لايكف عن اتخاذ قرارات خاطئة صحفياً... يبدو أنه يتلقى نصائح سيئة ويقرأ الصحفيين بنظارة يقطنها الذباب..
ثمة من يوزع أمراضه على الصحفيين ويقدم للرئيس تقريراً عن عاهات بأسعار متفاوتة.. نقوده جاهزة، والوسطاء لا ينامون، ويتأكد له دائماً أن لكل عاهة ثمن، وأن الأمور بخير وأنه ربما بالغ في استيائه من غضب وتمرد عاهات.. يستريح لهذا الاستنتاج، يستريح: "ما فيش أحد نظيف".
الرجل -شهم بطبعه– وكريم، لكن من حق من؟! يبدو أن مشكلة البلاد في كونها صراعاً دائماً بين قادرين على تأكيد حقهم في الغنيمة.. مجموعة رجال/ نخب لا تمثل تتويجاً لإرادة الجماهير في الحياة وحقها في حياة لائقة بلا مغانم.
غرماؤه –المقصيين الذين كانوا شركاءه بالأمس- والذين بوسعهم أن يكونوا شركاء، والذين اكتشفوا تمتعهم بأصوات عالية..
لا أذكر في تاريخ اليمن أن ثورة جماهير قادتها جماهير وترجمت مطالبها قد تمكنت من النجاة من أيدي النخب..
أذكر أن الفقيه سعيد بن صالح ياسين قاد حشوداً من المظلومين الذين تجمعوا في "الدنوة" بحثاً عن ملاذ، قادهم بلا تخطيط وسلحهم بالحجارة والعصي في الطريق إلى الحرية.. لم يجمعهم مشائخ ولا شيوخ طرق، جمعهم القهر في ثورة الذين لم يعد لديهم ما يخسرونه سوى الهوان..
فشلت الثورة بالطبع.. ربما بسبب الذهب القادم من صنعاء.. وربما لكونها ثورة جماهير بلا نخب.. وربما لأن الحالمين ينجزون ثورات تنتهي بطريقة مؤثرة ورومانسية، تترك قصصاً ومآثر وخيانات. فيما أناس حاربوا بقلوب شعراء، وبعد قرن ونصف تركوا واحداً يكتب: "فشلت الثورة بالطبع". ما علاقة هذا بالرئيس وبنقوده الصحفية؟! أظنها من فكرة تمتع الرئيس بالشهامة والنقود والغرماء المناسبين..
طالما وأن الحديث عن نخب وعلى أن الأمر أيام اختبار لطريقة اليمنيين في التعامل مع التغيير وإذاً فهي انتخابات رئاسية وأحلام تغيير وشيء من "ثورة ما" صراع استخدم فيه الرئيس أسلوباً متبعاً.. ذلك ما استدعى قصة ثائر "الدنوة" وجيش الأحجار والعصي..
ربما لم نقهر بما يكفي لم نفدُ جماهير بعد، ولم نصل الى مرحلة النخبة؛ لكننا غاضبون بما يكفي شهامة رجل واحد
صحيفة النداء
31 أغسطس 2006 م