الاثنين، مايو 13، 2013

خارج الطريق الآمن


محمود ياسين

إذا كان عليك الاختيار بين نمطين للعيش أحدهما آمن والآخر سقيم فيجدر بك اختيار النمط الآخر، وجازف وتذوق طعم الخطر وبهجة الاكتشاف.

هذا العالم قاس لا يدع الطيبين المسالمين وشأنهم، ولطالما سمعت في حياتك قصصاً ومضارب أمثال تدور حول (ما أحد يخليك تموت مسلم) هي أصلاً دنيا محكومة بقوانين التجريب والاكتشاف والمجازفة، ذلك أن السير إلى جوار الحائط بعيداً عن مفاجآت عالمك ومباهجه وتغولاته، فذلك سيمنحك طول العمر الذي تقضيه بلا سجن ولا عنف ولا عداوات وستربح قبواً رطباً آمناً يليق بجثتك وقد تجاوزت الثمانين عاماً، لم تؤذ فيه أحداً ولم تتعرض لهول الخيانات والمجازفات.

وهذا ليس مضموناً، ذلك أن أناساً ظلوا في حالهم وحاولوا السير بصمت وخفة حتى لا يلفتوا إليهم وحوش الحياة الرابضة، غير أن ثمة ما فاجأهم وشرخ هدوءهم وحولهم إلى ضحايا.. وأنت مكره، فتعلم أحياناً كيف تكره، وكيف تغادر زمانك إلى المجهول.

لا أدري كيف يمكن حث الناس على المجازفة دون أن يبدو ذلك أشبه بنصيحة بقدر ما هو دفع لاختيار الهاوية.

إذ لا أروع في هذا العالم من مغاراته وأشباحه، ونزقه الكارثي وليس هناك ما هو أكثر أصالة من معانقة الكارثة والتحديق في عينيها بجذل وملعنة مرحة.

لقد بقيت تلك السيدة التي أعرف، تتوخى الحذر والستر واستيقظت في الشارع وحيدة ومطلقة، ذلك أن زوجها من النوع الذي يحتاج دوماً لقبضة حول عنقه ليشعر أنه متزوج بينما بقيت هي تبلع أخطاءه مدعية الرضى، وانتظار حكمة أن يتعقل دوماً في دنيا معتوهة أصلاً، وكان ذلك الرجل مريضاً بالحث العنفي وقدرة الصخب وحده على إشعال إرادته الشبقية، وهو أصلاً كان يشعر أنه ينام إلى جوار تابوت رزين متعقل، فهرب تاركاً المسكينة لفداحة ثمن تعقلها وطبع بنت الأصول.

لطالما عرف الإنسان في قرارة نفسه حاجة حياته، والحياة كلها لقادمٍ من نوع ما. شيء يشعل ما تبقى من إرادته على المقاومة وبهجة ما بعد النجاة من الكوارث.

ذلك ان الأمان بيروقراطي متطلب، وله رائحة الابتزاز. كم مرة يا صديقي صادفت رجلاً أصبح حيوياً تضج الحياة في وجهه عقب اختباره لتجربة سجن كان يخشاه أو عنف جسدي لطالما تحاشاه.

أذكر أن نيتشه الفيلسوف الألماني الشهير والمجنون أخبر في بعض نظرياته عن سعي الفلاسفة والمصلحين لخصاء الإنسان، وهم يعدون له قائمة بما ينبغي عليه اتباعه ليشعر بالسعادة والأمان. يرفض نيتشه تلك التعاليم باعتبارها سعياً لتجريد الإنسان من نزعاته الأصيلة في أعماقه البدائية بما في ذلك تجريده من نزعة الشر وذلك هو ما يقصده بالخصاء.

ليس هذا تمجيداً للتشريع بقدر ما هو حديث عن حق الإفلات وتجريد الكمائن خارج الطريق اليومي المرسوم لكل منا والذي يقتفي فيه الإنسان مدفوعاً  بخوفه الغريزي تعاليم الأمان والسلامة، متخلياً عن فضوله الإنساني وحاجة عقله للصدمات وجسده لاختبار العنف.

هناك عطش لا يتأتى إلا من لهيب الشمس، وهناك مسرات لا تتواجد إلا في أعمق الغابات وأكثرهن وحشة.


مقاومة العسف


محمود ياسين

ربما ينبغي لنا استعادة حماسة مراقبة الأداء العام. فتيان زي الجن، يجلسون أمام شاشة الكمبيوتر، ويدخلون أصابعهم في عين أعتى متنفذ، وأمسى بوسع هذه الأصابع أن تدخل من خلال الكيبورد إلى جيوب الهباشين، واستخراج المسروقات، أمام حشد من المتجولين في العالم الافتراضي، الذي أمسى محركاً لكتل الواقع، ودافعاً لها بأكثر من اتجاه.

تقدم لك تحولات العالم فجوات كثيرة للنفاذ إلى قلب كل ما كان مستغلقاً تاريخياً. وبدلاً من القلق يمكنك ملاحقة نبلاء الحقبة الجديدة، الذين انكشفوا أمام رعب "فيسبوك" والصحافة، وكأن هؤلاء الفتيان متجمهرون أمام بيت شيخ قديم يخزن عنده كل أشرار المنطقة وكبارها، ولا تدري إلا وكل واحد قفز لرقبة كبير خاطئ، وطرحه أرضاً.

لقد تمكن محمد سعيد الشرعبي من جعل حياة حمود خالد الصوفي، من خلال هذا الإنترنت الفسيح، قفصاً أو زنزانة متجولة على مقاس حمود خالد، لا تفارقه. وأعرف أنه لم يعد ملائماً الآن هدم هذه الفرصة التاريخية التي قدمتها المواقع الاجتماعية، على هيئة مماحكات بين أطراف وجماعات ضمن عملية تبادل للهزء بين بعض الفتيان، لحساب وظيفة الاستقطاب، بينما يفترض بهذا كله التوجه صوب وظيفة مراقبة الأداء العام.

هو أصلاً لا يمكنك قسر الجميع على النزاهة؛ ذلك أن ثمة أكاذيب قد يسوقها البعض لتصفية حسابات شخصية، غير أن هذه المواقع سترشد صوتها تلقائياً، وسيتمكن الجو العام في المواقع من تخليق معايير ولهجات للنزاهة والتصرف بمسؤولية.

لطالما حلمت حتى بفكرة مهرجان وجودي (للأرض)، وتحويل المواقع لمنصة استياء، ليس ضد السياسيين الفاسدين فحسب، ولكن ضد كل ما هو مؤرق ومؤلم بالنسبة لجيل أمسى عليه رفض الأبوية، وكل أشكال القمع الاجتماعي.

قلما تجد من يدين تابو الجسد والأخ الأكبر والعشيرة، وعذابات المراهقة في مجتمع بالغ القسوة التي تبرع فيها الجلافة التاريخية.

يخبرني أحدهم على الخاص أنه غاضب من انتمائه القسري لعائلة غنية لم تمنحه شيئاً عدا مكان ضيق في حدرة الغداء، وفرش قرب الباب، وتطلب إليه أن يكون ناجحاً وغير مبذر. وإدانة التبذير هذه هي أسوأ ما يقض مضجع الفتى الذي ختم رسالته هكذا: أرعبوني بتهمة التبذير، ولا يدوا لي ريال واحد, بأيش أبذر أصلاً.

في برنامج صادفته بقناة عربية تنقله وتترجمه عن قناة أمريكية، ثمة مجموعة فتيان يتحدثون عن ضروب العسف العائلي مباشرة وعلى الهواء، وأحدهم يتحدث وعيونه تفيض بالدموع، كيف أن أباه كان يحبسه في خزانة الملابس، فاتصل الأمريكيون من كل ولاية يشاطرون الفتى إدانته للساعة التي كان يقضيها في خزانة الملابس: أنا بالطبع لم أغمغم "ضربونا بالشمبل"، ولم يتضامن معنا أحد، ولسنا ندري إلى الآن إن ذلك عسفاً أو ظلماً. أما الفتى الآخر والنحيل من ولاية داكوتا الشمالية، فجل ما يؤلمه هو أنه كان يلمح في عيني أبيه حالة دائمة من اللاثقة في قدراته، مما جعله يخسر في صد ضربة مهمة في لعبة لا أدري اسمها.

أما أنا فلطالما كان أبي شفوقاً ككل الرجال الأذكياء، ونحن بطبعنا البيئي لا نتحسس أشكال التأديب بذلك المستوى النفسي من ألم العسف، غير أن عسفنا هو في الأساس عسف "اللااختيار"، ولم يتمكن أحدنا إلى الآن، كما حدث في تجارب مجتمعات كثيرة؛ لم يتمكن من تمويل قصة حرمانه من الاختيار، إلى صرخة تحريضية تؤسس لشراكة بين كل المعتسفين، لنحصل على حالة أولية لتحول اجتماعي.

ثمة ركود مهول في قاع بيتنا وشروط وجودنا، ولا نكاد نصغي لأصوات قادرة على تبصيرنا بمظالم نعاني تبعاتها، دون أن نتعرف إليها، أو نمتلك صيغة مقنعة لتقديمها كشيء بشع، ربما يكون هو الجذر المستطلب الذي تطفو منه كل أمراضنا غير المفهومة هذه.

ثمة امرأة أوروبية صفقت الباب خلفها بعد الـ12 منتصف الليل، في الستينيات، ولم يكن من إنترنت أيامها، غير أن نساء أوروبا سمعن صفقة الباب تلك، وضجت ليالي أوروبا بعدها بصفق الأبواب خلف نساء سئمن الاحتمال.

يخبرك أحدهم أن أباه لطالما اعتبره فاشلاً، وكيف أنه كان يوقظه بالماء البارد لصلاة الفجر، وكيف أنه حرمه من الفتاة الوحيدة التي أحبها، وزوّجه قسراً بابنة عمه، فكرهها وكرهته، وبقيا يتكارهان وينجبان المزيد من الأطفال، وكيف أنه شاهد برنامجاً مشابهاً للبرنامج الذي حدثتكم عنه بداية المقالة، فأدرك هول ما تعرض له، وبقي بعدها كمثقف نهم يبحث عن كل نصوص "قتل الأب" بالمعنى الفني (موش بالرصاص)، يعني كيف يميته كأداة قسر ورقابة، غير أنه فشل، ويقسم لي إنه إنما يغادر البيت مبكراً إلى الوظيفة، مدفوعاً بحمى أبيه، مؤكداً "أحس بالحوم حقه برقبتي".


عاهة طموحة للرقابة والمحاسبة


محمود ياسين

أخيراً تم اتخاذ القرار الأكثر إفصاحاً وكمالاً لفكرة الخيانة، خيانة الثورة وجيل بأسره من الحالمين الملهمين بفكرة المثال، ثاروا واستشهد رفاقهم ليتم وضع واحد هو الأسوأ من جيلهم بقرار تعيينه وكيلاً للجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة.

لطالما ترفعت عن ذكر اسمه في أي من مقالاتي منذ أيام علي عبدالله صالح وأنا أسمعه في وكالة "سبأ"، يتلصص على الجميع، ويكون خلية استخباراتية داخل "سبأ"، ويشتري البعض، ويهدد البعض، ويستخدم ضعف من لا يمكن شراؤه بالمال عن طريق تقديم خدمات ترفيهية.

كان معاذ بجاش، وهذا هو اسمه، اختباراً يومياً لما ينبغي عليّ التعامل معه في الوكالة، من دناءة دنيا تضع في طريقك كائنا من ذلك النوع الطموح جدا، والخسيس جدا، والذي يمكنه فعل أي شيء ليصل من التحويلة إلى مكتب رئيس الوكالة، ضابط أمن أملس يقرأ كتبا تدور كلها حول "كيف تصل لما تريد بأي ثمن"، متملق عصي الإمساك، ومن ذلك النوع الذي ينفخ أوداجه ضد من يظنه أضعف، ويتحلى بأخلاق سكرتيرة لم تتلقّ تربية جيدة مع الأقوياء الذين يمكنونه من التقاط حوافز لهج الطامح الضاج.

ليست تهماً على عواهنها، لديّ قائمة بأسماء ومبالغ ودسائس ودناءات لا أول لها ولا آخر، وكان مخلب الأمن في الوكالة ضد كل الذين يبغضون أسلوب علي عبدالله صالح، ويعمل حتى لتشويه سمعة خصوم النظام الصالحي من خارج الوكالة، فبينما كان عبدالكريم الخيواني يساق للزنازين، كان بجاش يشتري أفخم السيجار الكوبي، ملصقا بعرض عبدالكريم أشنع البذاءات الأمنية.

إنه العاهة اليمنية المناطقية مجسدة في لهج واحد من نقيل الإبل بتعز، ويستميت في التحدث بلكنة صنعاء، مثل سائق سيارة سخيف يصر على أن تضم سيارته لفئة الرقم "1".

هو مزيج من محجوب عبدالدايم في رواية "القاهرة ٣٠"، وكل الذين صادفوك يا عزيزي في طريق حياتك وأنت تقاوم رائحتهم واستعداداتهم اللامتناهية للحزقة الكذابة الخارجية والاهتراء من الداخل.

أول أيام الثورة، وهو يرسل الجواسيس الصغار من الوكالة إلى خيام الشباب في الساحات، ويهزأ من حلم جيل، وها هو يتبول على هذا الحلم، وسيجلس على كرسي المحاسبة، لتصل إلى يده ملفات المؤسسات، ونقاط ضعفها. وتصوروا كيف سيستخدم ذلك كله، وأنتم ترون ملفات الفساد بيد واحد هو النموذج الجديد لفساد الجانب السيئ في جيلنا. لقد كرموا غريم مثالية وسام محمد وعلوي السقاف وهاني الجنيد الذي ترك وظيفته إلى الساحة، وحين عاد بعد الثورة كان راتبه الضئيل قد تلاشى وأصبح شبحا. إنه النقيض لكل محاولات هذا الجيل أن يكون جيدا بطموحاته الأنيقة، وليس بلهج مأفون أصبح الآن وكيلا للجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، وتصوروا ردة فعل العشرات ممن وضعتهم الأقدار في يد ذلك النوع من جلاد أحمق يعتقد أن سلطاته محل شك.

هو تخرج من كلية الإعلام، وليس في رأسه ما يكفي ولو لكتابة مقالة في مشروع التخرج، فطلب من الزملاء وضع مقالة باسمه، فمنحوه واحدة من مقالاتهم لأجل صحبة الكلية، وعندما نشروا مشروع تخرجهم اتصل بجاش يبدي استياءه من كونهم لم يختاروا له المقالة الأفضل لتوضع باسمه.
إنني ألعن هذا الزمن، وأرثي حلما، وبودي لو أجد طريقة لبث ألمي، ومقاسمتكم يقين أنه كيف يمكنني مزج ما هو شخصي بما هو عام، وبنزاهة، لأحصل على حقي في نبذ هذه الفعلة التي هي خيانة سأمضي بقية عمري أتتبع مصدرها، ومن صاحب ترشيح هذا الكائن ليمنحه وهما أخلاقيا بالانتصار على كل الذي قاتلنا لأجله، وكان هو خصم المثل التي قاتلنا لأجلها، وها هو يحصل على فرصة عملية ليحمد لنفسه كل الذي تحلى به من أخلاق عاهة طموحة.


الخميس، مايو 02، 2013

كن بخير يا أبا خالد


محمود ياسين

باسندوة انفطر قلبه، ولنتمنى الشفاء لـ"أبو خالد"، فهو كان يظنها خطوة أولى، ثم يصبح رئيساً، وتتحقق النبوءة، وممكن يمشي الحكومة بإظهار الطيابة ورقة القلب، ولم يدرِ إلا وقد قدمت له النبوءة فاتورة باهظة، فالرجل كان ينام تمام الـ11، بعد أن يتصل بالرئيس علي عبدالله صالح، يعاتبه على الإهمال، ويردد وهو يجهز المخدة ويوضعها لينام: دع الأيام تفعل ما تشاء، وطب نفساً إذا حكم القضاء.. وينام، ويصحو طيب القلب، والناس ما يخافوش منه، ويحملونه على السلامة وطيب المعشر وصفاء النية. هناك رجال يمضون حياتهم على رصيد الطيبة وأمان الجانب، ويحصلون على فرصتهم التاريخية من الحاجة لحل طيب يرضي جميع الأطراف. فالحياة بين الوحوش يستلزمها أحياناً لعب دور الحمل الذي يتقدم في السن دون أن يفقد ملامحه الحملانية الوديعة، وقد تسلم أبو خالد جائزة هذه الوداعة على هيئة لقب "دولة رئيس الوزراء"، ليفاجأ بعدها أن الدموع وحدها لا تكفي، وأنه حتى الذين اعتبروه "الحل الطيب لجميع الأطراف"، يوشكون بطريقة ما على ترقيته من حمل إلى كبش فداء. ارتبك، وحاول أن يبدو غاضباً، وأن يظهر للمستهترين بدولته الجانب الصارم من شخصيته، ولم يلحظ أحد هذه الصرامة الحزينة، أو يأخذها على محمل الجد. الصحافة تولت البقية، وانهار أبو خالد، ولا يبدو أنه لا يزال يريد بقية النبوءة.

لقد فوجئ الجميع بثقل ما بعد صالح، وأن الأمر ليس هيناً، وليس مجرد إزاحة أيقونة قبلية عشائرية بحجم صالح الذي كان أسلوبه المغالط مع المجموعة، قد منحهم وهما ًخادعاً بالمراهنة على زوال سبب مشاكلهم المباشرة، وتزول بالتالي مشكلة إدارة البلد. هذا بالطبع مع تمتع جميع القوى بإدراك واعٍ لحقيقة أن المشكلة أعمق من أسلوب علي عبدالله صالح، لكن غالباً ما يرجئ المنفعل حقائق مهمة أثناء استماتته في التخلص من السبب المباشر لإحساسه بالغيظ وقلة الحيلة. يعني الحكم على المستقبل بالمشاعر الطارئة، وليس بالإدراك الواعي.

كان من المهم للغاية رحيل علي عبدالله صالح، لاختبار طاقة البلد ومواردها، وقدرتها على تحقيق ذاتها، وليس ليشعر باسندوة بغبطة الإنصاف وعدالة السماء على إيقاع الجذل الذي ينتاب إنسانا ًبدأ يلامس برد اليقين في تحقق معجزة. المهم أن "عفاش" اضمحلت سريعاً، ولم تكن بمستوى كفاءة "الملكية البائدة والكهنوت"، التي بقيت تعمل بكفاءة كغطاء ناجز لكل خطايا ما بعد ثورة سبتمبر 62.

ولقد تعقدت الأمور كثيراً الآن، وأفلتت السيطرة حتى من تأثير النوايا الحسنة لبعض قيادات المشترك، ذلك أن وضعاً جديداً قد تخلق بمعزل عن أصابع الجميع. هذا بالطبع لا يناقض فكرة العصابة القديمة واستمرارية منهجها, لكن أوضاعاً معقدة تتمكن من إرباك القديم مهما كان ضعف الجديد، وإذا بنا نقف في فراغ لا هو دستوري ولا هو سياسي، ولا يمكن تصنيفه أو البحث عن كتلة معينة لملئه.

يمكننا، إذن، التلهي، وتزجية الوقت السياسي بتحليل ضعف باسندوة وقوة حميد من خلفه، وحكايا الخصومة بين الرئيس ودولة "أبو خالد"، والرئيس ينفي بنبرة من تورط في رئيس وزراء لا يدري كيف يتخلص منه، ولا كيف يتخلص من الشعور ببعض الذنب تجاه دولة الرجل المريض الذي قد يتماثل جسده للشفاء، وتبقى دولته معتلة.

لا أحد بريء: حتى باسندوة. نعرف جميعاً أننا أضمرنا طموحاً مشتركاً واسع النطاق لغنائم ما بعد صالح.

والشاطر لن يضحك أخيراً، ذلك أن بحيرة من الرمال المتحركة قد فاجأت الكل. سنرجو بصدق سلامة قلب الرجل الذي تلقى ضغطاً أكبر جداً من طاقته، ومن طاقة البلد.. ولنأمل مجدداً بدور رئاسي أكثر تماسكاً وضبطاً في إدارة البلد، على أن ندير جميعاً حياة سياسية تتميز بحالة جماعية من الإنهاك وتبادل اللوم.


شفر موتورز


محمود ياسين

اليوم تقاصرت صنعاء وأنا أمخر الشوارع بالشفر التي لا زال نصف ثمنها ديناً، لكنها أصبحت لي كلها، أقود متخيلاً إشارة (×) شفر متعالياً على الهيونداي، ومكتشفاً عيوب الصناعة الكورية مقارنة بالأمريكي.

وهكذا بلهجة منحاز لمن يحب، حتى أنحاز لأمريكا ضد كوريا الشمالية، وأضحك من تطاول الكوريين على أمريكا صانعة الشفر التي كانت تزمجر تحت قدمي مثل أسد فرح بنفسه. العجيب أنني رحت أفاضل بين كوريا وأمريكا، فأنا دائماً أكتشف مزايا من أحب، وأتشاحف لأقاربه، وكل ما يمت له بصلة. وهكذا أصبحت أمريكا كلها عائلة سيارتي العزيزة، وأنا الذي لطالما ذرعت شوارع الحصبة مشياً على الأقدام، أحلم بجائزة نوبل، لكن مع الشفر دفع رباعي لا تعود بحاجة لنوبل.

جنرال موتورز (كبير العائلة التي تنتمي إليها سيارتي) تربح كل عام ما يتجاوز الدخل القومي السنوي للكوريتين. هكذا أخبرت نفسي دون التأكد من صحة الأرقام، إذ لست بحاجة للدقة في حالة الوله التي تمر بها.

أفكر الآن بالبلاد وشوارع إب، وتحديداً شارع العدين، حيث أملأ خزان السيارة من محطة الشميري، وأنطلق في شارع العدين والسندوتشات وطريق العودة من مدرسة النهضة، ودكان خالي الذي كان. شارع العدين الذي تحول مؤخراً إلى بطل مهم في روايتي الأخيرة (قبل أن أقتل رويدا). شارع العدين الذي تنعطف من منتصفه إلى المركزي، تشتري القات المريسي، مدعياً أنه ميتمي، وتنطلق بالشفر إلى المنصوب مفرق البلاد.. يجب أن تكون سيارتك شفر لتنطلق إلى مفرق البلاد، ما لم فيمكن تسمية الأمر شيئاً آخر غير الانطلاق.

نصحني صديق البارحة بعدم تكرار الحديث عن السيارة، حتى لا أبدو "قليل إلف". والحقيقة أنني قليل إلف جداً، وخصوصاً تجاه السيارات، لذلك سأتحدث بنوايا خيرة قد توفر لي عندكم بعض التغاضي، وأنتم ترون أنني أنوي حمل كل من أصادفه من مفرق المجمعة، فالشفر قلبها واسع تكفي الأحبة والعابرين، وتقوم بكل الذي تدعي الصالون القيام به دون غيرها.

نحن أبناء الطبقة المتوسطة، نحتفظ بأحلامنا الطفولية، ونعيشها، متخلين عن تعالي المثقف الذي تتساوى عنده الأشياء.

كيف سيكون طريقة الدنوة الفرعي على متن الشفر العملاقة؟ كيف سيكون إحساسي تجاه "شرف الظبر"؟ هذا الشرف الذي لطالما بدت منه على بعد الدنوة هناك قابعة في مساء العائد اليومي من إب يمشي في العتمة وأحلام اليقظة وحفر مياه المطر التي خضبتها السيارات التي مرت جميعها قبل ترجل الراكب في المفرق.

اكتشفت اليوم أنني سائق بالفطرة. حتى الآن ولا غلطة واحدة، وتبين لي أنني لست عبقرياً البتة، كما حذرني صديقي من شرود العبقري الخطر أثناء القيادة.

لقد حصلت على دركسون وجهاز تسجيل بسماعات مذهلة، وحصلت على حرص السائق مقابل التخلي عن وهم العبقرية.

بقيت مساء البارحة مشغولاً بالسيارة، وكل شوية أطل من النافذة خوفاً من أن يسرقها أحدهم، غير أن السيدة "شفر" جاهزة للتعامل مع هكذا معضلة، إذ علمت لاحقاً أن الشركة قد وضعت حداً لطموحات السرقة، وقامت ببرمجة المفتاح مع الماكينة التي تزمجر.. لا أحد يمكنه سرقة فرد من عائلة جنرال موتورز العظيم.


صباح الخير


محمود ياسين

يبدو أنني قد علقت في هذا العمود وانتهى الأمر، وكأنني برنامج أوراق ملونة، ولست هنا لأسمي قرائي متابعي "ما يطلبه المستعمون".

لا أدري من قال إن الحرية التزام من نوع ما، وها أنا أستدعي مقولة لملبق عالمي لا أعرفه، ليشهد أنني إذ ألتزم بعمودي هذا، فإنما أمارس حريتي بشكل مختلف، غير ما ذهبت إليه سابقاً من أن الحرية هي التخلي عن أي التزام لأتخلص من التزامي اليومي هذا.

أخبركم سراً: الأمر ليس صعباً، ويمكن الكتابة كل ساعة، ولكن عليّ أن يكتب أحدنا ما يخطر له، وما يعن له، متخلياً ليس عن عمق الكتابة، ولكن عن الإلحاح على مواضيع السياسة والمواقف والتحليلات. ذلك أن هذا العالم يدور بلا ملل، مخلفاً حكايا ومآثر ومفارقات، ويمكن الخوض في المقالات هذه في آخر عروض المسرح العالمي وبهلوانيات الحياة الشخصية للمشاهير، ناهيك عن أرتال من خيبات النازحين والمهجرين والمغتصبات.

بوسع أي منكم الكتابة لو أراد، ليس الأمر متعذراً البتة، كن أنت فحسب، وحول انفعالاتك لكلمات دون أن تسترضي منهجاً مزعوماً للكتابة.

نزلت عدن لأنجز أول استطلاع صحفي لي في حياتي، وكان لديّ الشغف وقصاصات ذهنية من الكتب التي قرأتها، وتحديداً أدب الرحلات.. كان ذلك اختباراً مهماً لي، وعليّ أن أنجح في أول مهمة صحفية قد تمنحني الوظيفة التي كنت أحتاجها بشدة. وعندما عدت من عدن، وأمسكت القلم والصفحات أمامي بيضاء مستلقية أشبه بتحدٍّ جنسي يختبر كل ادعاءاتك الفحولية، فارتعبت أول الأمر من أين أبدأ، أو ماذا أقول، وهل يجدر بي البدء بمدخل لتاريخ عدن، أم أبدأ ببعض المعلومات. غير أن شيئاً ما همس لي من كتاب قائلاً: قل ما لديك. وكتبت ما لديّ كمن يحكي لأصدقائه حكاية ذهابه لمكان ما، وما الذي صادفه أو خلص إليه، وبلهجة تلقائية، فتدفقت المعلومات، ووجدت أسلوبي الشخصي من أول محاولة، وكان استطلاعاً جيداً بالنسبة لمبتدئ، ناهيك عن أنني حشدت فيه كل براعتي وشغفي في استعراض الحكايا ورثاء النهايات، إذ إنني لطالما شغفت برثاء نهايات الناس والأشياء على غرار نهاية الشاعر الفرنسي رامبو في عدن، والذي غادر باريس صوب أفريقيا، ليعود منها كما قال: بأطراف حديدية وعين غضوبة وجلد غامق اللون.

وأنا أوردت مقولة رامبو هنا لتعرفوا المنابع التي يستمد منها أحدنا لكنة الأسى المختلف والجذاب. وهكذا منذ العام 98، في استطلاع عدن لمجلة "نوافذ"، وأنا أكتب. ولقد حصلت من هذه الكتابة على دنيا لا أدري ماذا كنت لأجابهه أو أعيشه من دنيا أخرى في حال هاجرت للسعودية مثلاً، أو شرعت في عمل آخر.

جل ما أنا متمسك به هو مشاركتكم حالة ولع معرفي وانحياز إنساني، مستميتاً ألا أخدعكم، ولا أكتب ضمن أجندة أية جماعة. أما التيارات فهي تجتذب أحدنا ذهنياً وأخلاقياً، فلطالما أحببت تيار وعي التحديث كاهتمام لاحق لهمي الشخصي في اقتفاء لكنة الأسلوبية، وتقديم عرض مدهش نوعاً ما. ذلك أنه لا أحب إليّ من أن أدفع أحدكم للابتسام حتى وأنا أكتب له تحليلاً سياسياً مضنياً، أو أتمكن من خض وجدانك يا صديقي، وأدفعك لحالة من التعاطف والانحياز لضروب الحياة المخذولة.

وها أنا أمضيها كل الانفعالات، وأبشر بالأفكار وبعض السياسيين، وأنا الذي لم أترك لي قوياً في صنعاء إلا ونقدته بطريقة ما، دونما حاجة للعب دور بطل، فأنا لا أستعذب هذه الصورة، بقدر ما أشرت هنا لأقوياء صنعاء باعتبارهم أصلاً هدفاً للصحافة، وما أسعى إليه في المحصلة هو صحوبيتكم أنتم، ولقد كتبت وحاولت وأصبت وأخطأت، لكنني أقسم إنني لم أكذب عليكم يوماً بتخطيط أو بقصد، إذ قد تفلت مني محددات الرؤية، لكن هذا هو الحال؛ يجهد أحدنا في أن يكون لائقاً وكاتباً يحظى بمثقفين شغوفين بما يكتبه.


المجد لتعز


محمود ياسين

كنت أختزل تعز، وأنا طفل في رجاح، على أنها المكان البعيد الذي يوزع فيه كهول لحاهم بيضاء أرتالا من الشكلت والبسكت، لو قلت "الشوكلاتا والبسكويت" كان ذلك ليحول بيني وبين لعاب مجهالة رجاح يسيل على حرف الزاي الحلو في آخر اسم تعز، ويلونها بالأرجوانية، ذلك اللون الذي كان توقي الشكلاتي يلون به تعز دون أن أعرف أيامها كلمة "أرجواني". وكبرنا وتعز تتخصص أكثر في "هايل سعيد"، وتوقفنا أيامها عن نطق "جعصول" كلما أردنا من صاحب الدكان "نصف علبة أبو ولد". يرتبط ذلك الكيس المدور الشفاف النافذ الى أقراص "أبو ولد"، بفكرة المتاح النصفي والقسمة بين صاحبين قرويين يستذوقان البسكويت على المشهي النطقي لكلمة "جعصول".

بعدها تطورت تعز الى حالة من الاستشفاء لمرضى بلادنا المتطلبين المتعالين نوعا ما على طبابة إب، وكانت بنية تأتي من تعز الى عند خالها الذي منا، ونجدها ترتدي البلوزة والتنورة، وتبتسم بحرية، متجاوزة للوجود الوجل في مشية بنات قريتنا، ورجائهن حسن الختام ولم يتجاوزن الـ15 بعد، بينما كانت أحلام التعزية تحرجنا بحفظها للنكات، وإيماءاتها، ووجودها المتأنق العزيز الذي ليس في المتناول، مثيرا فينا إحساسا بفوات دنيا تمر متجنبة طبعنا القروي الأخرق في الصفوف الأولى من الدراسة، إذ كنا أيام زيارات أحلام ما بين الصف الثالث والرابع، بينما كانت هي في صف سادس، ومختصرة هكذا، وحاضرة، وأصغر من بعضنا سنا، كأن أحلام قفزت من أحد المسلسلات المصرية التي كانت تدور خلف شاشة التلفزيون 17 بوصة.

كانت تعز في مرحلة ما، قد نجحت في الإفلات من المزاج اليمني الكابي، ضمن اتكائها على محاكاة مزاج عدن العائد من التجول المزاجي بين مناطق القابلية للتطور بدون اكتراث لبرميل الشريجة. وكان التعزي أيامها ابن مدينة بامتياز، قبل أن نتعلم ملامسة تعز من خلال أصابع السياسة.

يرتكب منير الماوري خطأ فادحا إذ يقارن بين شوقي هائل وحميد الأحمر، معتمدا على المعيار الثوري بين رجلي أعمال يمثل كل منهما هوية عائلية لها اسم مؤثر في الوجدان اليمني.

المعيار الثوري لم يعد بيد الثورة أولاً، وليس صالحاً للاستخدام في تقييم الخير والشر من أحداث تعز الآن.

لا أدرك شخصيا ما يحدث الآن في تعز، ولا ماهية الخصومة بين الإصلاح وبيت هائل الآن.

وإذا كان عليّ الانحياز ومنح الثقة المبدئية، فسأمنحها لشوقي، وليس لحميد؛ للمدني وليس للقبيلي، لمنتج "أبو ولد" ابن الحاج، وليس للنخاط ابن الشيخ. أنا لا أكره حميد، لكنني أيضا لا أثق به، ولا أقارنه بشوقي، وإن احتفظت بتساؤلاتي حول بعض أخطائه التي يمكنني مناقشتها معه دون أن أخشى المرافقين.

الإصلاح ليس الشيطان الذي هبط من مغارته على ليل تعز الآن، وشوقي ليس الملاك التعزي، ولا روح الأب الطاهر الذي تتجلى فيه روح تعز المدنية حد الكمال.

الإصلاح موجود في تعز قبل هذه الصرخة التي استجلبها على نفسه، مانحا لتعز السبب الأمثل لاختلاط صوتها الصادق الممتلئ بالغوغائي المستعذب للعبث بوجه حزب قوي ويتصرف بسذاجة، جاعلا من نفسه خصما للمدنية، وللحقوق، ولتعز.

إن غوغائية العمل الإصلاحي وخياراته في تعز، وسوء التوقيت والتهافت، شكلت في مجموعها صورة لشوقي، غير صورته الحقيقية تماما. هو أفضل من حميد الأحمر، لكنه ليس البانديت نهرو الذي يخص تعز. ولقد أصبح على الإصلاح التوقف فورا عن منح وجوده لكل هذا القدر من الهزء، وليكف عن كونه أضحوكة، إذ يحشد كل إمكاناته لمواجهة محافظ لم ينجح كما كان متوقعا، لكنه أقل سوءا من خيارات الإصلاح.

ليس كل من التقط أخطاء شوقي إصلاحيا، وما كان على الإصلاح الزج بنفسه الى هذا الخندق الغبي.

كان واضحا من أول يوم أن الإصلاح اختار الشخص الخطأ والمعركة الخطأ في المحافظة القلب.

الناس يحبون بيت هائل، وأغلب الأصوات المثقفة في رمزية تعز وتفوقها، أغلبهم لا يحبون الإصلاح.

"الفيسبوك" مقياس مهم جدا يا إخوة، توشكون كحزب على أن تظهروا في مواجهة مباشرة وتاريخية مع تعز.

حتى بمعيار البراجماتية السياسية والتخطيط المحض، لا تقاتل خصما يحظى ببعض الحب.

روايتي الضائعة "قبل أن أقتل رويدا"، وجدتها الآن في تعز.

هي الآن بيد صديقتي هناك.

كنت قد أرسلت إليها المسودة الأولى، ونسيت.

المجد لتعز.


وجود كاذب وكذبتين في السياسة


محمود ياسين

في ما له علاقة بما أقوله للحياة، فأنا إذن في أول أبريل منذ وعيت العالم، ذلك أنني عشتها أكذب عليها.

سأكذب الليلة أيضا لو قلت لكم إنني لم أكذب عليكم ولا مرة واحدة في الذي كتبت خلال هذا العام.

أظنني فعلتها مرة أو مرتين ربما، ولم يكن ذلك بغرض تزييف الوعي، ولكنه كذب المتعجل الذي يحتاج لملء فراغ بكذبة. لكن تذكروا لقد حدث هذا مرتين على أكثر التقديرات نزاهة وحرصا ومسؤولية، وكانتا كذبتين تخصان عاطفتي تجاه الآخرين فقط، وليست معلومات كاذبة، إذ كذبت مرة عندما قلت إنني أعول على جماعة معينة، وأخرى عندما قلت إنني يائس من تغيير أي شيء. ذلك أن في أعماقي أملا أصيلا لا يكف عن الاحتدام، النزاهة الصافية متعذرة، وكل ما لدى أحدنا في أبريل هو التمسك بكذبته تجاه الحياة عموما، ذلك أننا جميعا خراطين يكاد أبريل يندهش من خرطنا الجماعي ونحن ندعي الاستيقاظ والحياة، ناهيك عن أن نسمي أنفسنا عايشين ولو كرد لسؤال بلا إجابة: "كيفك؟"، فنقول: عايشين ههههههههههههههههه حلوة عايشين هذي، لا موسيقى ولا عروض مدهشة ولا مجازفات ولا أناقة، وعايشين.

كذبة العيش هذه ضرورية، وأنا أعتبرني المفتي الوجودي خاصة الشلة، وأبيح لنا كذبة العيش هذه، ذلك أن الصدق في ما يخص نمط حياتنا، يعني أن يلقي كل منا ما بيده ويتصرف على طبيعته كأي ميت محترم وصادق.

الانتخابات تجربة الكذب العظيم والمكثف، عندما رشحت نفسي لعضوية مجلس نقابة الصحفيين، لقد أمضيت اليومين الأخيرين قبل الاقتراع، أكذب وأقول لنفسي: "كذب مرشحين عادي". وهكذا ظللت أبتسم بشدة، وأضغط على فكي مبتسما على مدى يومين، ولم أكتشف أن فكي يؤلمني من الابتسام إلا وهم يفرزون الأصوات، ورئيس لجنة الفرز يقول: محمود سعيد، مع أنني ابتسمت لهذا الذي انتخب محمود سعيد أكثر مما ابتسمت لأي واحد آخر، ذلك أنه كان يناديني محمود سعيد على الدوام، وهو صحفي يعمل لمجلة زراعية أظن، وبقيت أنبهه في مدخل قاعة الاقتراع، وأنا أبتسم بالطبع، وأقول له أنا محمود ياسين انتبه، ولو تدري كم أنني أحترمك وأقدرك وأعتبرك من أذكى الصحفيين، وأتابع كل تحليلاتك الزراعية.. كذب.

تجعلك الانتخابات دمثا كذابا كأي رجل يريد تحقيق فوز مزيف، ويتجول في قاعة مكتظة بالأكاذيب، وشد الوجه والوعود الكاذبة، إذ وعدت كل من طلب مني أن أصوت له على أن يصوت لي بالمقابل، ولو أحصينا مجموع تلك الكذبات لفزنا كلنا أكثر من 100 مرشح، وهذا متعذر، غير أن الأكاذيب هي الممكن الوحيد المتفق عليه عندما تبدأ قاعة المركز الثقافي في التعرق وحك الصدر.

يتلبد الجو بالدخان، إذ إن الجميع يدخنون تقريبا، ولا يتلبد الجو بالأكاذيب كما يروق لبعض البلاغيين المستحدثين ترديد جملة "جو ملبد بالأكاذيب"، إذ يتلبد الجو بالمحسوس، أما الأكاذيب فهي أشباحنا الحميمة التي نتعرفها بتخاطر القلب مع ما يحتاجه ضعفه وقلة أصالته كقلب.